










غير مصنف
مسؤولية المعلم في تحقيق الامن الفكري
|
المعلم أحد الركائز المهمة التي تقوم عليها التربية ، وتعتمد عليه المؤسسات التعليمية في تحقيق أهدافها التربوية والتعليمية ؛ ولذلك فقد أولته الدول على اختلاف فلسفتها وأهدافها وتوجهاتها اهتماماً بالغاً باعتباره عنصر رئيس ومؤثر في العملية التربوية ، وسعت لانتقائه وحُسن اختياره وتأهيله ، وتطوير أدائه ؛ ليتمكن من القيام بعمله على أكمل وجه . وترتبط أهمية المعلم في ما يقوم به من دور إيجابي يتمثل في تحقيق تطلعات المجتمع تجاه النشء ، وبذلك فهو يتحمل مسؤولية كبرى ، ويقع على عاتقه عبء التربية والتعليم ، والتوجيه والإرشاد ، وتقويم السلوك . وأهمية المعلم توجب عليه أن يكون قريباً من طلابه ، يستمع لهم ويناقشهم ، ليتفهم حاجاتهم ، ويتعرف على ميولهم وتوجهاتهم ، ويعرف ما يواجههم من مُشكلات ، فيساعدهم على إيجاد الحلول المناسبة لها ، ولا بد للمعلم أن يسعى لتحويل طلابه من السلبية القائمة على الحفظ والاستظهار وقبول كل ما يصل إليهم دون تمحيص ونقد ، إلى المشاركة الفعّالة من خلال الفهم والتدبر ، والتفكير الإيجابي القائم على التحليل المنطقي للأمور . ومسؤولية المعلم تجاه طلابه لم تعد محصورة في إيصال المعلومات والمعارف ، وتزويد الطلاب بها في إطار المُقرر الدراسي ، بل تغيرت وتعاظمت في هذا العصر نتيجة للتطورات المُتلاحقة في جوانب الحياة المختلفة ، والتي كان منها الثورة في مجالات المعلومات ، والانفجار المعرفي ، وظهور الإنترنت ، والبث الفضائي ، وازدياد الارتباط والتقارب بين مُختلف الأمم والشعوب نتيجة التطور في وسائل الاتصال والمواصلات . فالمعلم ــ في هذا العصر ــ لم يُعد هو المصدر الوحيد للمعلومة ، وبذلك انتقل دوره من تلقين الطلاب المعلومات إلى مُساعدتهم في الوصول إليها من خلال المصادر المختلفة ، وتدريبهم على مهارات البحث ، والتحليل ، والمقارنة ، والتقويم ، وبذلك أصبح المعلم مرشداً ، وموجهاً ، وميسراً ومساعداً لطلابه . وازدادت مسؤوليات المعلم تجاه طلابه في هذا العصر وأصبحت مسؤوليته التربوية القائمة على الإصلاح والإرشاد ، وتقويم الفكر ، وتنمية السلوك الإيجابي ، وغرس القيم النبيلة المنبثقة من عقيدة المجتمع وثوابته تحتل مكانة بارزة ضمن مسؤولياته الأخرى . والمعلم شخصية مؤثرة في طلابه ، فهو يلتقي بهم خلال فترة التعلم ، ويمكثون معه وقتاً ليس بالقصير ، وبذلك فهم ” سيتأثرون بهديه وسلوكه ، ويُقلّدون أفعاله وكثيراً من تصرفاته ، ولذا ينبغي أن يكون قدوةً حسنةً لهم في جميع أحواله ، ويتعامل معهم بالأخلاق الإسلامية ، حتى يقبلوا عليه ، ويستفيدوا منه ، ويأخذوا عنه . ونظراً لأهمية الدور المنوط بالمعلم ، والمسؤوليات التي يؤديها تجاه مجتمعه ، والقدوة التي يُمثلها أمام طلابه فلا بد له ” أن يستند في عمله وسلوكه إلى قاعدة فكرية متينة ، وعقيدة إيمانية قوية ، تنبثق من الإيمان بالله تعالى ، والفهم الفعلي للإسلام كنظام فكري وسلوكي يحترم الإنسان ، ويُعلي من مكانة العقل ، ويحض على العلم والعمل والخلق ، وبذلك يكون المعلم صحيح المعتقد ، سليم الفكر ، مُستقيم السلوك ، قادراً ــ بإذن الله تعالى ــ على توجيه طلابه وإرشادهم ، وإصلاح فكرهم ، وحمايتهم من الانحراف ، وتعديل ما فسد من سلوكهم ، وتعزيز أمنهم الفكري ، ليكونوا بذلك أفراداً صالحين في المجتمع . وللمعلم دور يقوم به ، ومسؤوليات يضطلع بها تجاه طلابه ومجتمعه ووطنه ، وهي مسؤوليات ترتبط بالدور التربوي والتعليمي الذي يؤديه المعلم ضمن إطار المؤسسة التعليمية ، ويقوم على وقاية الطلاب وتحصينهم ضد مختلف الانحرافات الفكرية والسلوكية ، ومُعالجة من أصابه شيء من تلك الانحرافات ، والتي هي ضد عقيدة المجتمع وقيمه ، ومُعارضة لمصلحة الوطن وتوجهاته ، قبل أن تُترجم إلى أفعال تضر الفرد والمجتمع والدولة ، ومن تلك المسؤوليات : _ أن يعمل المعلم على ” ترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة والتمسك بثوابتها ، وأن يُحذر طلابه من كل مايُفسدها من شرك وكفر وبدع ، باعتبار ذلك أساس مهم في وقايتهم من الانحرافات الفكرية . _ أن يغرس المعلم في طلابه ” حب الله ورسوله e، ومحبة شرع الله سبحانه وتعالى ؛ لأنه لا نجاة للأمة بدون ذلك ، ومحبة الوطن الذين يعيشون فيه ، وينعمون من خيراته . _ حث الطلاب على ” التمسك بالقيم الإسلامية قولاً وعملاً ، باعتبار الدين هو الحصن الواقي من كل انحراف وجنوح . _ أن يعمل من يمتلك العلم الشرعي من المُعلمين على ” رفع مستوى ثقافة الطلاب الدينية المُتسمة بالاعتدال والوسطية ، حيث أن الجهل بالدين يجعلهم يعيشون في فراغ روحي يُسهّل لمن يريد التأثير فيهم ، وفي الثقافة الدينية المعتدلة حماية لفكر الطالب من استغلاله أو محاولة استمالته لتبني بعض الرؤى والأفكار المنحرفة ، التي لا تتفق مع وسطية الإسلام واعتداله ” . لثقات ممن يتصفون بالعلم والتقوى ، وذلك ليأخذوا العلم من أهله ، ويطلبوا الفتوى ممن صحت عقيدتهم وشُهِد لهم بالصلاح وسعة العلم . _ أن يعمل المعلم على ” توعية الطلاب وتثقيفهم لمواجهة الأفكار والمعتقدات المنحرفة التي تُروّج لها بعض الجهات من خلال وسائل الاتصال المختلفة ، وبخاصة تلك الأفكار التي تستهدف التأثير في مُعتقدات الناشئة ، وطريقة تفكيرهم ، ونظرتهم إلى كثير من الأمور الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها المجتمع . _ ” تحذير الطلاب من المصادر غير الموثوقة التي يرجع إلها بعض الشباب ، ويأخذون منها الأحكام ، ويعتبرونها المصادر الأساسية للتلقي ” . _ أن يقوم من يمتلك العلم الشرعي من المُعلمين بشرح المصطلحات الشرعية التي قد يقع فيها التباس لدى الطلاب ، ” وتوضيح مدلول كل منها في الإسلام ، وضبط هذه المصطلحات بضوابطها الشرعية ، بعيداً عن التأويل والتحريف ، فكثيراً ما يستغل دعاة الفكر المنحرف تلك المفاهيم لتكون متكأً لما يُمارسوه من أعمال لإقناع العامة بأن ما يقومون به جزء من الدين ” . _ ” غرس حب الوطن في نفوس النشء ، من أجل أن يبتعدوا من كل ما يضر هذا الوطن الذي أعطاهم الكثير ” . _ ” أن يُقوّي فيهم روح المسؤولية الفردية والجماعية ، والولاء للوطن وقيمه ، والتضحية من أجل المشاركة في الحفاظ على أمنه وسلامته ، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ” . _ ” تقويم السلوك الخاطئ المُخل بالأمن عن طريق برامج توعوية وتثقيفية لتصحيح المفاهيم الخاطئة ، ولتقويم أي سلوك معوج لدى الطلاب ” . _ ” على المعلم أن يهتم بتعزيز السلوك السليم لدى طلابه ، وذلك بتشجيع أصحاب السلوك السوي والإشادة بهم ، والثناء عليهم ليزدادوا إقبالاً عليه ، وفي المقابل حث أصحاب السلوكيات المخالفة للإقتداء بهم ” . _ ” أن يُشجّع الطلاب على القراءة والكتابة والاطلاع المتنوع ” ، واستغلال الأوقات بالمفيد ؛ وذلك لأن ” الفراغ وعدم تنظيم الوقت يعتبر من العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى الانحراف ” . _ أن يُحذّر طلابه من خطورة التعصب بجميع أشكاله ، ومُختلف صوره ، كالتعصب في الرأي ، والتعصب لجماعة أو طائفة معينة . _ أن يوضّح لطلابه الأخطار المترتبة على تقليد غير المسلمين في مُعتقداتهم ، عاداتهم وتقاليدهم ، وكل مايرتبط بثقافتهم ويختص بهم . _ أن يُحذّر طلابه من وسائل الإعلام المُفسدة ، التي تعمل على تشكيك أفراد المجتمع في عقيدتهم ، وثوابتهم ، وتسعى لإفساد أخلاقهم .
|
||||||
نتاجُ الأمن الفكري .
عندما يتحقق الأمن الفكري في مجتمعنا ستظهر نتائج عظيمة منها :
• ظهور أجيال تحمل فكراً إسلامياً طاهراً خالٍ من المعتقدات الفاسدة ، أو الرؤى المنحطة .
• تعزيز أهمية العلم في الإسلام ، وذلك بالبحث عنه وطلبه ، واهتمام الأمة بعلمائها ومفكريها وأبائها
• سيظهر لنا إعلاماً هادفاً وصورة مشرقة نأملها جميعاً ، ونسعى على إيجادها .
• ستخرج لنا مواهب وعقليات وأقلام ناصعة الفكر تزاحم أهل الضلال في وسائلهم وعلى منابرهم .
• سنرى مجتمعاً حوارياً يهمه البحث عن الحق فقط ، ولا يأبه بما سيواجهه في طريقه .
مراحل تحقيق الأمن الفكري .
.وهناك مراحل يتحقق من خلالها الأمن الفكري وهي:
المرحلة الأولي: مرحلة الوقاية من الانحراف الفكري، ويتم ذلك من خلال مؤسسات التنشئة الإجتماعية الأولية والثانوية وغيرها من المؤسسات ويكون ذلك وفق خطط مدروسة تحددفيه الغايات والأهداف.
المرحلة الثانية: مرحلة المناقشة والحوار: قد لاتنجح جهود الوقاية في صد الأفكار المنحرفة من الوصول إلى بعض الأفراد سواء كان مصدر هذه الأفكار داخلياً أم خارجياً مما يوجد بعض هذه الأفكار بدرجة وخير شاهد ودليل على أهمية هذه المرحلة قصة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في مناظرته للخوارج.
المرحلة الثالثه: مرحلة التقويم والعمل في هذه المرحلة يبدأ بتحقيق الفكر المنحرف وتقدير مدى خطورته باعتبار ذلك نتيجة للحوار والمناقشة ثم ينتقل العمل الى مستوى آخر هو تقويم هذا الفكر وتصحيحه قدر المستطاع بالإقناع وبيان الأدلة والبراهين تنجح هذه المرحلة تنقل الى مرحلة التالية.
المرحلة الرابعة: مرحلة المساءلة والمحاسبة والعمل في هذه المرحلة موجَّه إلى من لم يستجب للمراحل السابقة ويكون بمواجهة أصحاب الفكر المنحرف ومساءلتهم عما يحملونه من فكر، وإصدار الحكم الشرعي في حق من يحمل مثل هذا الفكر لحماية المجتمع من المخاطر التي قد يترتب عليه.
المرحلة الخامسة: مرحلة العلاج والإصلاح: وفي هذه المرحلة يكثف الحوار مع الأشخاص المنحرفين فكرياً، ويتم ذلك من خلال المؤهّلين علمياً وفكرياً في مختلف التخصصات خصوصا العلماء المؤهلين على مقارعة الشبهة بالحجة.
هذه أهم مراحل تحقيق الأمن الفكري الغاية منها الوصول الى أعظم النتائج التزاماً بالمنهج الإسلامي القويم والعمل على تحصين العقل من الشكوك والشبهات
كيف نحقق الأمن الفكري ؟
نحقق الأمن الفكري باتباع هذه النقاط :
• تطبيق شرائع الإسلام تطبيقاً صحيحاً مبنى على الفهم الصحيح للأدلة .
• تعلم العلم النافع والحرص على تعلمه، والعمل به .
• اعداد الفرد اعدادًا فكريا صحيحا من خلال اتخاذ العقيدة الاسلامية مصدرًا لذلك الاعداد .
• التربية الصحيحة للأجيال القادمة .
• أن تقوم وسائل الإعلام على تحقيق الأهداف السامية التي لا تزيد الأمة إلا قوة ضد أعدائها .
• تفعيل الحوار مع شباب الأمة بهدف تجلية المفاهيم لهم وتوضيح المصطلحات الناقصة عندهم .
• الاهتمام بمناهج التعليم في جميع المراحل بأن تكون سليمة مما يتعارض مع تعاليم الإسلام السمحة، والاهتمام بإعداد عقول الطلاب والطالبات إعدادًا سليمًا مستمدًا من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتنوير أفكارهم، وتصحيح المفاهيم الخاطئة.
مجالات الامن الفكري
الفكر عملية ذهنية مسرحها العقل، ومؤداها التأمل والنظر، وثمرتها استنباط واستخراج العلوم والمعارف؛ ولكي تتحقق السلامة لهذا النظر من الزلل، ولثمرته الاستقامة والبعد عن الخلل، فلابد من التزام منهج الإسلام في التفكير، وما ينتج عن ذلك التفكير من علوم ومعارف.
وبناءً على ذلك فإن الأمن الفكري يجب أن يكون متحققًا في حالتين:
-1 عند التأمل وتردد النظر.
-2 وفي الموضوعات التي أنتجها العقل بناء على ذلك النظر.
وسأتكلم عن ذلك في مطلبين:
المطلب الأول: وجوب تحقق الأمن الفكري عند التأمل وتردد النظر، وفيه فرعان:
الفرع الأول: وجوب صيانة العقل من الانحراف حال نظره وتأمله
الفرع الثاني: فوائد حجز العقل عن الخوض فيما لا يدرك أو ما لا فائدة فيه
الفرع الأول: وجوب صيانة العقل من الانحراف حال نظره وتأمله
إن العقل لا يستطيع أن يخوض في كل مجال، ولا أن يدرك حقائق جميع الأشياء(18). ولذلك جعلت نصوص الوحي حدودًا معينةً للعقل يجب عليه ألا يتعداها؛ لأن في تعديها خطرًا على العقل، أو إشغا له بما لا فائدة فيه.
قال الشاطبي (رحمه الله): «إنَّ اللهَ جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبي إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون إذ لو كان كيف كان يكون»(19).
وقال ابن العربي: «إن الزعم بأن العقل قادر قدرة مطلقة علي إدراك أو تحصيل جميع المعلومات دعوة حمقاء لا تقوم علي سوق، إذًا إنه ليس لنا أن ندعي أن له مکانًا في الإدراك يتيح له أن يحيط بکل شيء بمفرده واستقلاله، بل إن العقل متواضع ومحدود في مجال إدراکه»(20).
ولذلك يجب صيانة الفكر حال التأمل من:
أولًا: النظر والتأمل فيما لا يدركه العقل
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً{85})(الإسراء)، فقد أبان الله سبحانه في هذه الآية أن الروح مما استأثر الله بعلمه، والاشتغال بما استأثر الله بعلمه ضرب في البيداء؛ ولا قُدرة للعقل في التعرف عليه؛ لأنه فوق مرتبة العقل.
وقد جعل الله النظر في متشابهات القرآن سبيل أهل الزيغ والفساد، فقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ{7})(آل عمران), وذلك؛ لأن بعض المتشابه لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته(21)، و «هو موضع خضوع العقول لباريها استسلامًا واعترافًا بقصورها»(22)، فالاشتغال به يقود إلى الضلال، والخروج عن مقتضى العبودية والاستسلام لله رب العالمين.
ولذلك ضرب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صبيغا لما أكثر السؤال عن المتشابهات؛ فقد أخرج الدارمي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الله صَبِيغٌ. فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ، وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ الله عُمَرُ. فَجَعَلَ لَهُ ضَرْبًا حَتَّى دَمِي رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِى كُنْتُ أَجِدُ فِى رَأْسِى»(23).
وقد جاء عن النبي -صلَّى الله عليه سلَّم- أحاديث ترسم للعقل حدوده، وتعقله عن الخوض في غير مجاله، فقد روى الطبراني عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله»(24)، وأخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ:قَالَ رَسُولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بالله»(25)، وروى الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِى الْقَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ
إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَتَنَازَعُوا فِيهِ»(26).
لقد أخبرنا الله عن نفسه، فقال سبحانه: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{11})(الشورى)، فالتفكر في ذاته تعالى إشغال للعقل بما ليس في وسعه أن يدركه، وزجّ به في متاهات لا توصل إلى الحق، بل إلى الريبة والشك والاضطراب، ولذلك جاء النهي صريحًا عن التفكر في ذات الله؛ لأنه لا يصل فكر الإنسان -مهما أعمله- إلى إدراك كنه ذات الله سبحانه وكيفيته؛ «لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة والمقاييس وذلك يكون في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات. وأما الخالق -جلَّ جلاله سبحانه وتعالى- فليس له شبيه ولا نظير، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه وإنما هو معلوم بالفطرة فيذكره العبد.وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه: يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير»(27).
والكلام في القدر قول بلا علم؛ فإن «القدر سرٌّ من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرس ،ًال ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل»(28)، فالتعمق والنظر فيه ضلالة.
قال ابن بطال: «ولمخالفة هذا ضلَّ أهل البدع حين حكموا عقولهم وَرَدُّوا إليها ما جهلوه من معاني القدر وشبهه. وهذا خطأ منهم؛ لأن عقول العباد لها نهاية، وعلم الله لا نهاية له. قال الله عزّ وجلّ: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)(البقرة: 255)، فما أخفاه عنهم فهو سِرُّ الله الذي استأثر به، فلا يحل تعاطيه، ولا يُكلَّف طلبه، فإن المصلحة للعباد في إخفائه منهم، والحكمة في طَيَّه عنهم إلى يوم تُبلى السرائر، والله هو الحكيم العليم، قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)(المؤمنون:71)»(29)ا. ه
إن قضايا الغيب «مهامه ومتاهات لا أفسد للعقل من الخوض فيها مجردًا من نور الوحي»(30)، ولذلك فإن «غاية حظ العقل منها –سوى الفهم والتسليم– إثبات إمكانها، ونفي امتناعها»(31).
ثانيًا: النظر والتأمل فيما لا فائدة من النظر فيه ومما يجب أن يُصان عنه العقل النظرُ والتأملُ فيما لا يعود على المكلف بفائدة في دينه ودنياه. قال تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{189})(البقرة).
ففي هذه الآية أجاب الله السائلين بغير ما يتطلبه سؤالهم، وذلك “لأن الصحابة – رضي الله عنهم – لما تاقت نفوسهم إلى تعلم هيئة القمر منه -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وقالوا له: يا نبي الله ما بال الهلال يبدو دقيقًا ثم لم يزل يكبر حتى يستدير بدرًا؟ نزل القرآن بالجواب بما فيه فائدة للبشر وترك ما لا فائدة فيه، وذلك في قوله تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)(البقرة: 189).
أخرج الدارمي عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- أَتَى رَسُولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله !ّهَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ. فَسَكَتَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَوَجْهُ رَسُولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، أَمَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-؟ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فَقَالَ: أَعُوذُ بِا مِنْ غَضَبِ وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ، رَضِينَا بِا رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَقَالَ رَسُولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِى لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي لاَتَّبَعَنِي»(40).
الفرع الثاني: فوائد حجز العقل عن الخوض فيما لا يدرك أو ما لا فائدة فيه:
إن في منع الفكر من الاشتغال بما ليس في وسعه إدراكه، وحفظه من الخوض في غير مجاله، وإبعاده عن الاشتغال بما ليس فيه فائدة، إن في ذلك فوائد جمَّة، وآثارًا حسنةً ترجع على صاحب الفكر والمجتمع الذي يعيش فيه. ومن تلك الفوائد:
أولًا: حماية المكلف من الوقوع في معصية القول على الله بغير علم، ومن قول ما لا يعلم.
قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ{33})(الأعراف:33).
لقد حرَّم الله في هذه الآية القول على الله بغير علم، بل جعل ذلك أعظم إثمًا ومعصية من الشرك.
قال ابن القيم –رحمه الله -: «وَقَدْ حَرَّمَ سُبْحَانَهُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، بَلْ جَعَلَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا مِنْهَا، فَقَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ{33}) فرَتَبََّ الْمُحَرَّمَاتِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ، وَبَدَأَ بِأَسْهَلِهَا وَهُوَ الْفَوَاحِشُ، ثُمَّ ثَنَّى بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ وَهُوَ ا ثْإلِْمُ وَالظُّلْمُ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْهُمَا وَهُوَ الشِّرْكُ بِهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ رَبَّعَ بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِ عِلْمٍ، وَهَذَا يَعُمُّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِ عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَفِي دِينِهِ وَشَرْعِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ{116}مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{117}) فَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ بِالْوَعِيدِ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِهِ، وَقَوْلِهِمْ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ: هَذَا حَرَامٌ، وَلِمَا لَمْ يَحِلَّهُ: هَذَا حَلَالٌ، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ إ بِمَا عَلِمَ أَنَّ سُبْحَانَهُ أَحَلَّهُ وَحَرَّمَهُ »(41).
وقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا{36})(الإسراء).
قال الشنقيطي – رحمه الله -: «نهى جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم. ويشمل ذلك قوله: رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم. ويدخل فيه كل قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم »(42).
ثانياَ: حماية المكلف من الحيرة والشك والاضطراب إن إطلاق سراح العقل ليخوض في كل شيء قد يُفضي به إلى الشك والحيرة والاضطراب! وعند ذلك فلا يستغرب أن يُنْتِج لنا فكرًا مضطربًا ومشوشًا فيَضِل به، ويُضل.
إن «الشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول»(43)، ولذلك فإن الخوض فيما تحار فيه العقول قد يُفضي بالإنسان إلى الشك فيما يجب أن يجزم فيه بالاعتقاد.
ومن ذلك «البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها؛ ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف. والكثير منه لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به من غير بحث، و… ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة» (44).
ثالثًا: حماية المكلف من اعتناق المذاهب المنحرفة والأفكار المضلة لقد كانت نتيجة إدخال العقل في مجال غير مجاله، والنظر في مصادر معرفية لا تستند إلى المرجعية الإسلامية، كانت نتيجة ذلك اعتناق مذاهب وأفكار منحرفة بعيدة عن هدي الوحي، ووسطية الإسلام.
فالتكفير والإرجاء، والتشيّع، والاعتزال، والتأويل، والإعراض عن الشرع، والعقلانية، والديمقراطية، والعلمانية، والليبرالية، كل ذلك إنما كان عندما استقى الفكرُ معارفه من مصادر غير مأمونة، وحينما لم يُلتزم بالحدود الشرعية للعقل، وجُعل مصدرًا تتلقى منه العقائد وعلم الغيب، وحكمًا على شرع الله(45).
رابعًا: حماية المجتمع من الأفكار المضلَّة، وثمرات الفكر المنحرف لكي يكون الفكر مستقيمًا، فلابد من أن يلتزم المُنْتِج لذلك الفكر بمنهج الإسلام وحدوده(46) حينما يتأمل وينظر في المحسوسات والمعقولات، وحينما يستخرج من ذلك النظر العلوم والمعارف.
فإذا لم يلتزم المفكر بذلك، فلعلَّه ينتج فكرًا منحرفًا، يوقع الشك والريبة في قلوب الناس، ويحملهم على البعد عن الصراط المستقيم، والمنهج الحق، والخلق القويم.
خامسًا: العمل على استنباط مناهج التفكير المستقيم إن الإيمان بوجوب صيانة العقل حال نظره وتأمله تبعث في نفوس أهل العلم والاستنباط الهمَّة لوضع القواعد السليمة، والمناهج المستقيمة للتفكير، مستقاة من الكتاب والسنَّة ومصادر الشريعة الإسلامية الأخرى، ونشر تلك القواعد وتضمينها في مناهج التربية التعليم في بلاد المسلمين.
رابط الموضوع : http://www.assakina.com/news/news4/6302.html#ixzz4TNnhqKyw
الاسرة ودورها في تعزيز الامن الفكري
لا يزال الكثيرون في مجتمعاتنا العربية والاسلامية يعتقدون بأن وظيفة الاسرة الاساسية تجاه الاطفال تنحصر في انجاب الاطفال,وإطعامهم,وإسكانهم,وتلبية حاجاتهم المادية.
لكن واقع الامر مخالف لذلك تماما لأن وظيفة الاسرة في يومنا هذا تتعدى ىذلك بكثير, حيث ان الوظيفة الاهم في اعتقادنا هي , وظيفة التربية والتنشئة الاجتماعية او كما نسميها “الوظيفة الوقائية” او وظيفة التطبيع الاجتماعي , والتي اساسها التربية , والتعليم, والتوجيه , والتهذيب الاخلاقي ومساعده الاطفال على النجاح الاجتماعي وحمايتهم من الوقوع في برائن الجريمة والجنوح , اي الحرص كل الحرص على اعدادهم للحياة المستقبيلة اعدادا جيدا وحمايتهم ووقايتهم من الجريمة والانحراف.
فالاسرة هي اولى المؤسسات الاجتماعية التي يتفاعل معها الطفل بصورة مباشرة وجهًا لوجه منذ ولادته.
يتلقى الطفل في اسرته اساسيات التربية التنشئية الاجتماعية , ويستقي منها قيمًا وعادات وتقاليد المجتمع ومنها يبني المعالم الاولى لشخصيته.
فالاسرة هي حلقة الوصل الاهم بين الفرد والمجتمع , وفيها يتعلم الطفل حقوقه الفردية ويتعلم منها ايضا (وقبل المجتمع) حقوق الاخرين.
فيجب على الاسرة ان تعلم كيف تحمي اطفالها من الافكار الضالة التي تبث على المسلمين عن طريق غرس القيم والاخلاق الاسلامية في نفس اطفالها فعلى كل اسرى ان تجعل اطفالها واعيين مثقفين دينيا ودنيويا لكي يصعب على اي فكر ان يشوش عقولهم.
الأمن الفكري في الإسلام
عني الإسلام بالأمن الفكري عناية بالغة وجعله ضرورة من الضرورات لأمن الفرد والأسرة والمجتمع والأمة, بل للإنسانية جميعاً ليعيش الجميع في أمن واستقرار وطمانينة.. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) سورة البقرة، (أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمن وَهُم مُّهْتَدُونَ) سورة الأنعام: من الآية 82
وقوله تعالى: (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ). سورة التين وقوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).. سورة قريش
والرسول بيَّن أن الأمن أعظم مطلب للمسلم في هذه الحياة، وأنه بحصوله كأن المسلم ظفر بما في الدنيا من ملذات ومشتهيات وسعادة، وكل ما يريده في دائرة الحلال؛ فعن سلمة بن عبد الله بن مِحْصن الخَطْمي عن أبيه قال: قال: رسول الله: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا).
وهنا يبرز مبدأ عظيم من المبادئ الأساسية التي حثت عليها الشريعة الإسلامية، وهو عدم السكون والركون للدنيا، وملذاتها وأن يرتفع المسلم بنفسه إلى طلب الأسمى، وهو ما عند الله.
وبيَّن الرسول في هذا الحديث أن أمن الإنسان على نفسه وماله ومعافاته في بدنه، ولديه من القوت ما يسد جوعه في يومه أعظم شيء يحصل عليه، لأن اختلال الأمن تتغيَّر معه الموازين والقيم والأخلاق وتزهق فيه الأرواح، فلا مال يستفاد منه بدون الأمن، فلا أمن، ولا صحة ولا حياة ترُجى بدون الأمن، ولا استقرار ولا تطور بدون الأمن، فالأمن هو الحياة، وأعتقد أن الذين يحاولون عبثاً زعزعة الأمن والاستقرار في البلدان لم يفهموا حقيقة الأمن، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله: والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا..
يحتلّ الأمن الفكريّ أهميّة بالغة، باعتبار أنّه يحقّق أمن واستقرار المجتمع من خلال التصدّي للمؤثرات والانحرافات الفكرية.. وقضيّة الأمن الفكريّ ليست وليدة اليوم، بل هي قضية موجودة على مرّ الأزمنة والعصور، ولكنّها برزت بشكلٍ أكبر في الآونة الأخيرة نتيجة عدّة عوامل داخلية وخارجية.
د. فهد السويدان
مظاهر الانحراف الفكري
للانحراف الفكري مظاهرة عديدة أبرزها :
• وصول الشخص إلى مرحلة تتسم بالعنف والتدمير لتحقيق أهدافه
• إلزام النفس أو الآخرين مالم يوجبه الله
• انتهاك الحقوق حيث يهدف الانحراف الفكري إلى زعزعة القناعات الفكرية ، والثوابت العقدية والمُقوّمات الأخلاقية
• التساهل بتطبيق الشريعة أو الغلو بتطبيقها
• التناقض الفكري والسلوكيالميل إلى الخلاف والصراع حيث. إن الفكر السـوي يُسلم بتعدد الأبعاد والرؤى في الوقت الذي يلجأ فيه الفكر المنحرف إلى الخلاف والصدام مع الآخرين عند ظهور اي اختلاف
• وقد يكون التقليد الأعمى من مظاهر الانحراف الفكري أو قد يكون سببًا
أسباب الانحراف الفكري
مما لاشك فيه ان ظاهرة الانحراف الفكري ظاهرة عالمية لا يكاد يخلو منها مجتمع من المجتمعات ولا تقتصر على بلد دون الآخر ومن أبرز أسباب الانحراف الفكري :
• غياب الوازع الديني
• الجهل بحقيقة عقيدة أهل السنة والجماعة،
• الجهل بالفقه الشرعي المبني على الكتاب والسنة الصحيحة،
• فراغ الشباب وصعوبة المعيشة
• اتباع الهوى ، فإن اتباع الهوى يصد صاحبه عن الحق ويعمي بصيرته ويسلك به مسلك الباطل.
• غياب الرقابة الاجتماعية
• الأفكار المتشددة المنحرفة التي ينتهجها فئة ضالة تهدف إلى السيطرة على عقول قليلي الحيلة ممن لم يتحصنوا بالأفكار والمعلومات الصحيحة لنبذ أفكارهم ومعتقداتهم.
• وسائل البث المباشر كالفضائيات، وما تبثه من مواد إعلامية من أفلام وبرامج تهدف إلى السيطرة على خاصية من خصائص المجتمع وزعزعتها وإضعافها.
• وايضا الفراغ قد يؤدي إلى الانحراف فيجب علينا أن نجد للناس ما يسد فراغهم ويعود عليهم بالنفع والفائدة