مجالات الامن الفكري

الفكر عملية ذهنية مسرحها العقل، ومؤداها التأمل والنظر، وثمرتها استنباط واستخراج العلوم والمعارف؛ ولكي تتحقق السلامة لهذا النظر من الزلل، ولثمرته الاستقامة والبعد عن الخلل، فلابد من التزام منهج الإسلام في التفكير، وما ينتج عن ذلك التفكير من علوم ومعارف.
وبناءً على ذلك فإن الأمن الفكري يجب أن يكون متحققًا في حالتين:
-1 عند التأمل وتردد النظر.
-2 وفي الموضوعات التي أنتجها العقل بناء على ذلك النظر.
وسأتكلم عن ذلك في مطلبين:
المطلب الأول: وجوب تحقق الأمن الفكري عند التأمل وتردد النظر، وفيه فرعان:
الفرع الأول: وجوب صيانة العقل من الانحراف حال نظره وتأمله
الفرع الثاني: فوائد حجز العقل عن الخوض فيما لا يدرك أو ما لا فائدة فيه
الفرع الأول: وجوب صيانة العقل من الانحراف حال نظره وتأمله
إن العقل لا يستطيع أن يخوض في كل مجال، ولا أن يدرك حقائق جميع الأشياء(18). ولذلك جعلت نصوص الوحي حدودًا معينةً للعقل يجب عليه ألا يتعداها؛ لأن في تعديها خطرًا على العقل، أو إشغا له بما لا فائدة فيه.
قال الشاطبي (رحمه الله): «إنَّ اللهَ جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبي إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون إذ لو كان كيف كان يكون»(19).
وقال ابن العربي: «إن الزعم بأن العقل قادر قدرة مطلقة علي إدراك أو تحصيل جميع المعلومات دعوة حمقاء لا تقوم علي سوق، إذًا إنه ليس لنا أن ندعي أن له مکانًا في الإدراك يتيح له أن يحيط بکل شيء بمفرده واستقلاله، بل إن العقل متواضع ومحدود في مجال إدراکه»(20).
ولذلك يجب صيانة الفكر حال التأمل من:
أولًا: النظر والتأمل فيما لا يدركه العقل
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً{85})(الإسراء)، فقد أبان الله سبحانه في هذه الآية أن الروح مما استأثر الله بعلمه، والاشتغال بما استأثر الله بعلمه ضرب في البيداء؛ ولا قُدرة للعقل في التعرف عليه؛ لأنه فوق مرتبة العقل.
وقد جعل الله النظر في متشابهات القرآن سبيل أهل الزيغ والفساد، فقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ{7})(آل عمران), وذلك؛ لأن بعض المتشابه لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته(21)، و «هو موضع خضوع العقول لباريها استسلامًا واعترافًا بقصورها»(22)، فالاشتغال به يقود إلى الضلال، والخروج عن مقتضى العبودية والاستسلام لله رب العالمين.
ولذلك ضرب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صبيغا لما أكثر السؤال عن المتشابهات؛ فقد أخرج الدارمي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الله صَبِيغٌ. فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ، وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ الله عُمَرُ. فَجَعَلَ لَهُ ضَرْبًا حَتَّى دَمِي رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِى كُنْتُ أَجِدُ فِى رَأْسِى»(23).
وقد جاء عن النبي -صلَّى الله عليه سلَّم- أحاديث ترسم للعقل حدوده، وتعقله عن الخوض في غير مجاله، فقد روى الطبراني عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله»(24)، وأخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ:قَالَ رَسُولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بالله»(25)، وروى الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِى الْقَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ
إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَتَنَازَعُوا فِيهِ»(26).
لقد أخبرنا الله عن نفسه، فقال سبحانه: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{11})(الشورى)، فالتفكر في ذاته تعالى إشغال للعقل بما ليس في وسعه أن يدركه، وزجّ به في متاهات لا توصل إلى الحق، بل إلى الريبة والشك والاضطراب، ولذلك جاء النهي صريحًا عن التفكر في ذات الله؛ لأنه لا يصل فكر الإنسان -مهما أعمله- إلى إدراك كنه ذات الله سبحانه وكيفيته؛ «لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة والمقاييس وذلك يكون في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات. وأما الخالق -جلَّ جلاله سبحانه وتعالى- فليس له شبيه ولا نظير، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه وإنما هو معلوم بالفطرة فيذكره العبد.وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه: يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير»(27).
والكلام في القدر قول بلا علم؛ فإن «القدر سرٌّ من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرس ،ًال ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل»(28)، فالتعمق والنظر فيه ضلالة.
قال ابن بطال: «ولمخالفة هذا ضلَّ أهل البدع حين حكموا عقولهم وَرَدُّوا إليها ما جهلوه من معاني القدر وشبهه. وهذا خطأ منهم؛ لأن عقول العباد لها نهاية، وعلم الله لا نهاية له. قال الله عزّ وجلّ: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)(البقرة: 255)، فما أخفاه عنهم فهو سِرُّ الله الذي استأثر به، فلا يحل تعاطيه، ولا يُكلَّف طلبه، فإن المصلحة للعباد في إخفائه منهم، والحكمة في طَيَّه عنهم إلى يوم تُبلى السرائر، والله هو الحكيم العليم، قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)(المؤمنون:71)»(29)ا. ه
إن قضايا الغيب «مهامه ومتاهات لا أفسد للعقل من الخوض فيها مجردًا من نور الوحي»(30)، ولذلك فإن «غاية حظ العقل منها –سوى الفهم والتسليم– إثبات إمكانها، ونفي امتناعها»(31).
ثانيًا: النظر والتأمل فيما لا فائدة من النظر فيه ومما يجب أن يُصان عنه العقل النظرُ والتأملُ فيما لا يعود على المكلف بفائدة في دينه ودنياه. قال تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{189})(البقرة).
ففي هذه الآية أجاب الله السائلين بغير ما يتطلبه سؤالهم، وذلك “لأن الصحابة – رضي الله عنهم – لما تاقت نفوسهم إلى تعلم هيئة القمر منه -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وقالوا له: يا نبي الله ما بال الهلال يبدو دقيقًا ثم لم يزل يكبر حتى يستدير بدرًا؟ نزل القرآن بالجواب بما فيه فائدة للبشر وترك ما لا فائدة فيه، وذلك في قوله تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)(البقرة: 189).

أخرج الدارمي عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- أَتَى رَسُولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله !ّهَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ. فَسَكَتَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَوَجْهُ رَسُولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، أَمَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-؟ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فَقَالَ: أَعُوذُ بِا مِنْ غَضَبِ وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ، رَضِينَا بِا رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَقَالَ رَسُولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِى لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي لاَتَّبَعَنِي»(40).

الفرع الثاني: فوائد حجز العقل عن الخوض فيما لا يدرك أو ما لا فائدة فيه:

إن في منع الفكر من الاشتغال بما ليس في وسعه إدراكه، وحفظه من الخوض في غير مجاله، وإبعاده عن الاشتغال بما ليس فيه فائدة، إن في ذلك فوائد جمَّة، وآثارًا حسنةً ترجع على صاحب الفكر والمجتمع الذي يعيش فيه. ومن تلك الفوائد:

أولًا: حماية المكلف من الوقوع في معصية القول على الله بغير علم، ومن قول ما لا يعلم.
قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ{33})(الأعراف:33).

لقد حرَّم الله في هذه الآية القول على الله بغير علم، بل جعل ذلك أعظم إثمًا ومعصية من الشرك.
قال ابن القيم –رحمه الله -: «وَقَدْ حَرَّمَ سُبْحَانَهُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، بَلْ جَعَلَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا مِنْهَا، فَقَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ{33}) فرَتَبََّ الْمُحَرَّمَاتِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ، وَبَدَأَ بِأَسْهَلِهَا وَهُوَ الْفَوَاحِشُ، ثُمَّ ثَنَّى بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ وَهُوَ ا ثْإلِْمُ وَالظُّلْمُ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْهُمَا وَهُوَ الشِّرْكُ بِهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ رَبَّعَ بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِ عِلْمٍ، وَهَذَا يَعُمُّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِ عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَفِي دِينِهِ وَشَرْعِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ{116}مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{117}) فَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ بِالْوَعِيدِ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِهِ، وَقَوْلِهِمْ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ: هَذَا حَرَامٌ، وَلِمَا لَمْ يَحِلَّهُ: هَذَا حَلَالٌ، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ إ بِمَا عَلِمَ أَنَّ سُبْحَانَهُ أَحَلَّهُ وَحَرَّمَهُ »(41).

وقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا{36})(الإسراء).
قال الشنقيطي – رحمه الله -: «نهى جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم. ويشمل ذلك قوله: رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم. ويدخل فيه كل قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم »(42).

ثانياَ: حماية المكلف من الحيرة والشك والاضطراب إن إطلاق سراح العقل ليخوض في كل شيء قد يُفضي به إلى الشك والحيرة والاضطراب! وعند ذلك فلا يستغرب أن يُنْتِج لنا فكرًا مضطربًا ومشوشًا فيَضِل به، ويُضل.

إن «الشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول»(43)، ولذلك فإن الخوض فيما تحار فيه العقول قد يُفضي بالإنسان إلى الشك فيما يجب أن يجزم فيه بالاعتقاد.
ومن ذلك «البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها؛ ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف. والكثير منه لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به من غير بحث، و… ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة» (44).

ثالثًا: حماية المكلف من اعتناق المذاهب المنحرفة والأفكار المضلة لقد كانت نتيجة إدخال العقل في مجال غير مجاله، والنظر في مصادر معرفية لا تستند إلى المرجعية الإسلامية، كانت نتيجة ذلك اعتناق مذاهب وأفكار منحرفة بعيدة عن هدي الوحي، ووسطية الإسلام.

فالتكفير والإرجاء، والتشيّع، والاعتزال، والتأويل، والإعراض عن الشرع، والعقلانية، والديمقراطية، والعلمانية، والليبرالية، كل ذلك إنما كان عندما استقى الفكرُ معارفه من مصادر غير مأمونة، وحينما لم يُلتزم بالحدود الشرعية للعقل، وجُعل مصدرًا تتلقى منه العقائد وعلم الغيب، وحكمًا على شرع الله(45).

رابعًا: حماية المجتمع من الأفكار المضلَّة، وثمرات الفكر المنحرف لكي يكون الفكر مستقيمًا، فلابد من أن يلتزم المُنْتِج لذلك الفكر بمنهج الإسلام وحدوده(46) حينما يتأمل وينظر في المحسوسات والمعقولات، وحينما يستخرج من ذلك النظر العلوم والمعارف.

فإذا لم يلتزم المفكر بذلك، فلعلَّه ينتج فكرًا منحرفًا، يوقع الشك والريبة في قلوب الناس، ويحملهم على البعد عن الصراط المستقيم، والمنهج الحق، والخلق القويم.

خامسًا: العمل على استنباط مناهج التفكير المستقيم إن الإيمان بوجوب صيانة العقل حال نظره وتأمله تبعث في نفوس أهل العلم والاستنباط الهمَّة لوضع القواعد السليمة، والمناهج المستقيمة للتفكير، مستقاة من الكتاب والسنَّة ومصادر الشريعة الإسلامية الأخرى، ونشر تلك القواعد وتضمينها في مناهج التربية التعليم في بلاد المسلمين.

رابط الموضوع : http://www.assakina.com/news/news4/6302.html#ixzz4TNnhqKyw

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s