( تفكَّر )

مرحبًا بكم في صفحة (تفكَّر)                                                    

أن قضية الأمن الفكري من القضايا التي تحتاج إلى تفكر وتأمل حتى يُفهم معناها و إنه من الممكن أن مصطلح الأمن الفكري لم يذكر في القرآن ولا في السنة النبوية ولكن الدين الاسلامي حث عليه عن طريق معاني بعض الآيات أو الاحاديث التي اذا تفكرت فيها ستجد محتواها عن الفكر الآمن .

وفي هذه الصفحة ستجد  ( ادلة من القرآن ، أحاديث من النبي صلى الله عليه وسلم ، قصص وعبر ) في قضية الأمن الفكري .

الأمن الفكري والقرآن :

إن الأمن نعمة عظيمة منّ الله بها على عباده ، وجعله قرينا لأهل الإيمان في الدنيا إن قاموا بواجبهم في نشر دين الله والعمل بما شرع الله، قال الله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .
وفي الآخرة بأمن أهل الطاعة من فزع الآخرة قال الله تعالى:
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ .
وقد لقن الله عز وجل إبراهيم – عليه السلام – أن يدعو لأمته بالأمن، فقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا .
وقد امتن الله على قوم صالح بالأمن، فقال تعالى: وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ .
كما امتن به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ .
وقال تعالى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ .
ولولا الأمن لفسدت الحياة بشتى مناحيها ، والأمن الفكري على رأس أنواع الأمن وأخطرهاا أثراً، ولو اختل الأمن الفكري، وفسدت العقول بالأفكار الهدامة، لاستحل الناس دماء بعضهم بعضا، فلا يأمن الإنسان على نفسه ولا ماله ولا عرضه، وإذًا لاختلت الحياة بأسرها.

الأمن الفكري في السنة النبوية :

إن مصطلح الأمن الفكري مصطلح محدث، بمعنى أنه لم يرد في القرآن أو السنة المطهرة، ولم يكن متناولاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المعاني الكبيرة التي يشتمل عليها مفهوم الأمن الفكري كانت مندرجة في مجموعة من أحاديث وخطب النبي صلى الله عليه وسلم، ويمكننا أن ندرك ذلك من خلال استقراء بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالمستقرئ لما صح نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأحاديث يجد أن من معاني الأمن الفكري وتعزيزه، وحمايته التي يمكن التأكيد عليها ما يأتي:

1- التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عصمة من الضلال والانحراف، قال صلى الله عليه وسلم: (وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله).. رواه مسلم، وفي رواية صحيحة: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم

فالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هما أصلا منهج التلقي، والتمسك والاعتصام بهما كفيلان -بإذن الله- لحماية الفرد والمجتمع في أمنه وفكره.

2 – التحذير من البدع والمحدثات في الدين، وهذا معنى آخر للأمن الفكري الذي تضمنته خطب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، والمشار إليها قريباً: (وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)، فبعد أن أمر بالاتباع نهى عن الابتداع، وجاء عند الإمام ابن ماجة بسند صحيح في خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها: (ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).

والمراد بقوله (كل بدعة ضلالة): ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام، كما ذكر ذلك الإمام ابن حجر -رحمه الله-.

والابتداع في الدين آفة خطيرة، تهدد الأمن الفكري في المجتمع، وتصيب أصحابه بأنواع من الاضطراب في التفكير، لأن البدعة (مردَّها إلى استحسان العقول، لا اتباع النصوص)، وهذا هو مكمن الخطر في النوع من التفكير الذي يودي بصاحبه إلى المهالك.

3 – طاعة ولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين: وطاعة ولاة أمر المسلمين من المسائل العقدية المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، يؤكدون عليها، ويقررونها، لبالغ أهميتها، وعظم شأنها، حيث لا تنتظم مصالح العباد في دينهم ودنياهم إلا بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمرهم، فيما ليس فيه معصية لله عز وجل، ومن هنا كان اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، حيث جاء في إحدى خطبه قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم...) رواه أحمد بسند صحيح.

وهذان الأمران،  – طاعة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة – لهما تأثيرهما الكبير على الفرد والمجتمع، والإخلال بهما، أو بأحدهما يؤدي إلى عدم استقرار الأمن بجميع صوره.

4 – الأمن من مطالب المسلم وغيره في هذه الحياة الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: (من أصبح آمناً في سربه – أي في جماعته بين أهله وعياله- معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت – أي جمعت – له الدنيا بحذافيرها).. رواه الترمذي بسند حسن.

5 – بيان أثر الدعاء، في تحقيق الأمن الفكري: الدعاء سلاح عظيم، له أثر كبير في تعزيز الأمن الفكري والحفاظ عليه، كيف لا، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو المسدد بالوحي، كان من دعائه في قيامه لليل سؤال الله الهداية للحق، سُئلت عائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ فقالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: (فقال: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).. رواه مسلم.

6 – النهي عن الغلو في الدين، قال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والغُلوّ، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ).. رواه أحمد بسند صحيح، فالغلوّ مشاقّةٌ حقيقيّة لهديِ الإسلام، وإعراضٌ عن منهجِه في الوسطيّة والاعتدال والرّحمة واليُسر والرِّفق.

قصص ومواعظ في الأمن الفكري :

1- توبة فتاة من ضحايا الغزو الفكري
تقول هذه التائبة:
(كنت لا أصلي إلا نادراً، منهمكة في قراءة ما لا ينفعني، ومطالعة ما لا يفيدني، منشغلةة بسماع ما يغضب الله عز وجل.. غارقة في عالم المعاصي.
كانت بداية الهداية عندما دخلتُ المطبخ ذات مرة واخترقت يدي، فأخذت أبكي، واستغفرتُ الله،، وأحسست بأنه عقاب لي وتذكير بنار جهنم التي هي أشد حراً، فأخذت أصلي تلك الليلة، وأستغفر الله، وداومت على الصلاة، ولكني لم أكن أخشع في صلاتي، لأني مازلت مصرة على ذنوبي السابقة، فكنت أصلي صلاة جافة بلا روح، أركعُ وأسجد دون استشعار لما أقرأه من آيات أو أقوله من أدعية، لأن قلبي ممتلئ بالمعاصي، وليس فيه محل لذكر الله أو الخشوع في الصلاة.
كانت إحدى صديقاتي تلح عليّ دائماً في حضور مجالس الذكر، ولكنني كنت أرفض وأتهربب منها.
وذات مرة ألحت عليّ صديقتي فذهبت معها مرغمةً، وكانت المحاضرة عن الصلاة، فأحسستُُ أني بحاجة لهذا الموضوع، خاصة حين أخذتِ المحاضرة تشرح قوله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فقالت: إن الصلاة تجعل الإنسان أو المصلي يبتعد عن كل فاحشة وكل منكر، فهي تنهاه عنه، وهذه حقيقة أثبتها الله تعالى، ولكنا نجد أن أغلب المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، بل إن أحدهم ليفكر في صلاته ماذا سيفعل بعد قليل، فصلاته لم تنهه عن المنكر، وهذا دليل على أن الصلاة ناقصة، فعليه أن يراجع نفسه، هل نقص من خشوعها،؟ هل نقص من اطمئنانها؟ هل استشعر وتدبر كل ما يقرأ ويقول؟ إلى آخر ما قالت:
فوقعتْ كلماتها عليّ كالماء البارد على الظمأ، فهذا ما أحسه وأفتقده، ومن تلك اللحظة، أخذتت أستشعر كل ما أقرأه، حتى سورة الفاتحة اكتشفتُ فيها معانٍ لم أكن أستشعرها من قبل، فحمدت الله على أن هداني إلى الصراط المستقيم، ودعوتُ لهذه المحاضرة في ظهر الغيب… واقتديتُ بها فأصبحت من الدعاة إلى الله، لعل الله أن ينفع بكلماتي ويفتح بها قلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، والحمد لله رب العالمين.

2- والي البصرة 

  والي البصرة كان عنده الإمام الجليل الحسن البصري، وقد جاءه لتوه توجيه، وأمرٌ من يزيد الخليفة، وفيه ظلم شديد، هذا التوجيه لو نفذه لأغضب الله عز وجل، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة، وربما عزله، فوقع في حيرة من أمره، وعنده الإمام الجليل الحسن البصري، قال له: ” ماذا أفعل يا إمام ” ؟ قال له: ” إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ”
أحيانا يكون الإنسان في مقتبل حياته، ومعه ورم خبيث، كنت مرة عند طبيب قلب، جاءه هاتف،، قال: والله لا أمل، قال له: أي مكان في العالم، وأي مبلغ، قال: والله لا أمل، فإذا انتقم الله عز وجل من إنسان بمرض عضال فقد انتهت حياته، وانتهى ماله، وانتهت قوته.
والله أعرف إنسانا صديق صديقي، وصل إلى منصب عالٍ جداً في الصناعة، يحمل دكتوراه منن فرنسا، وزوجته فرنسية، وهو في الأساس غني، وساكن في أرقى أحياء دمشق، وسيارات، وبيت في المصيف، فَقَد بصره، جاملوه شهرا، بعثوا البريد مع موظف، هذه المعاملة هكذا، بعد شهر أقالوه، فزاره صديقي، قال: والله يا فلان، أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، وليس عليّ إلا هذا المعطف، وأن يرد اللهُ لي بصري.
قال له: ” إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله، هذا توحيد، لا يوجد إلا الله فقط،، لا تخش أحداً، الله يحميك من كل البشر، لكن أقوى البشر لا يحميك من الله، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

Advertisements